الشم والذوق: حواس النعمة والشكر في الإسلام
🌹 حاسة الشم: أنف الإنسان ولغة الروائح
حاسة الشم هي من أقدم الحواس في تاريخ التطور، وهي الأكثر ارتباطاً بالذاكرة والعواطف. رائحة معينة قد تعيدك إلى ذكرى من طفولتك في لحظة، أو تثير فيك مشاعر لا تستطيع وصفها. هذه القوة الخفية للشم جعلت الإسلام يوليها اهتماماً خاصاً.
إعجاز علمي في حاسة الشم
يستطيع الأنف البشري تمييز أكثر من تريليون رائحة مختلفة! ومستقبلات الشم في الأنف مرتبطة مباشرة بمناطق الذاكرة والعاطفة في الدماغ، مما يفسر لماذا تثير الروائح ذكريات قوية ومشاعر عميقة. والأغرب أن حاسة الشم هي الحاسة الوحيدة التي لا تمر عبر المهاد (Thalamus) في الدماغ، بل تذهب مباشرة إلى مناطق العاطفة والذاكرة.
الشم في القرآن الكريم
ذُكرت حاسة الشم في القرآن في مواضع تحمل دلالات عميقة على ارتباطها بالإيمان واليقين.
"وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ"
هذه الآية العظيمة تكشف عن بُعد روحاني لحاسة الشم. يعقوب عليه السلام، وهو في بلاد الشام، يشم رائحة قميص ابنه يوسف القادم من مصر! هل هذا ممكن مادياً؟ المفسرون قالوا إن هذه من كرامات الأنبياء، لكن الرسالة أعمق: الإيمان القوي يُحسّن الإدراك، والقلب المتعلق بالله يرى ويسمع ويشم ما لا يراه ويسمعه ويشمه الآخرون.
استخدام "الريح" في القرآن له دلالة خاصة. الريح تحمل الرائحة عبر المسافات، وهي غير مرئية لكنها محسوسة. وكذلك الإيمان: غير مرئي، لكن آثاره محسوسة في القلب والسلوك.
"فَأَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا"
القميص الذي حمل الرائحة هو نفسه الذي أعاد البصر! هذا الربط بين الشم والبصر ليس عبثاً. الحواس كلها تتكامل في خدمة الإيمان واليقين.
🌺 الطيب والعطور في السنة النبوية
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الطيب حباً شديداً، وجعله من سنن الفطرة ومن علامات الإيمان الكامل.
"حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: النساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني في الصلاةِ"
هذا الحديث العظيم يضع الطيب في مرتبة عالية من محبوبات النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ لأن الطيب يرفع المعنويات، ويُحسّن المزاج، ويزيل الروائح الكريهة، ويجعل الإنسان مقبولاً عند الناس ومحبوباً في المجالس.
أنواع الطيب في الإسلام
🌸 المسك
أفضل أنواع الطيب على الإطلاق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطيبُ الطِّيبِ المِسْكُ". والمسك يُذكر في القرآن كوصف لشراب أهل الجنة: "خِتَامُهُ مِسْكٌ"
🌿 البخور والعود
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُبخّر بيته بالعود، خاصة يوم الجمعة. والبخور يُطهّر الهواء ويُعطر المكان ويُشيع جواً روحانياً.
🌼 الورد والزهور
كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب، وكان يشم الورد والرياحين. وهذا يدل على استحباب استنشاق روائح الطبيعة الطيبة.
آداب الطيب في الإسلام
أحكام وآداب
- استحباب التطيب للصلاة: خاصة صلاة الجمعة والجماعة
- التطيب عند الخروج: لئلا يؤذي الناس برائحة كريهة
- تحريم الطيب للمُحرِم: في الحج والعمرة
- تحريم الطيب على المرأة عند الخروج: إذا كان يجذب الرجال الأجانب
- استحباب الطيب في الأعياد: والمناسبات السعيدة
- كراهة الطيب القوي في المسجد: إذا كان يؤذي المصلين
"مَن أكلَ مِن هذهِ الشَّجرةِ - يعني الثُّومَ - فلا يَقْرَبَنَّ مسجِدَنا"
هذا الحديث يبين أهمية احترام حاسة الشم عند الآخرين. فإذا كانت رائحة الثوم والبصل الطبيعية مكروهة في المسجد، فما بالك بالروائح الكريهة الناتجة عن إهمال النظافة؟
🍯 حاسة الذوق: لسان الإنسان وعالم النكهات
حاسة الذوق هي بوابة تقييم الطعام والشراب، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحاسة الشم. في الحقيقة، معظم ما نظنه "طعماً" هو في الواقع "رائحة"! عندما تُصاب بالزكام وتفقد حاسة الشم، تجد أن الطعام لا طعم له تقريباً.
أسرار حاسة الذوق
اللسان البشري يحتوي على حوالي 10,000 برعم ذوقي، كل برعم يحتوي على 50-100 خلية مستقبلة. وهذه البراعم تتجدد كل 10-14 يوم، مما يفسر تغير حاسة الذوق أحياناً. والمذاقات الأساسية خمسة: الحلو، المالح، الحامض، المر، والأومامي (النكهة اللذيذة الموجودة في البروتينات).
أنواع المذاقات ودلالاتها
🍯 الحلو
يدل على الطاقة والسكريات، وهو أكثر المذاقات محبوبية
🧂 المالح
يدل على المعادن الضرورية للجسم
🍋 الحامض
قد يدل على فيتامين C، أو على فساد الطعام
☕ المر
غالباً تحذير من السموم، لكن بعض المرّ مفيد
🍖 الأومامي
يدل على البروتينات واللحوم
خلق الله هذه المذاقات ليوجه الإنسان نحو الطعام النافع ويحذره من الضار. الحلو يجذبنا للطاقة، والمر ينفرنا من السموم. لكن الإنسان بعقله يستطيع أن يتجاوز هذه الفطرة، فيأكل المر النافع (كالدواء) ويمتنع عن الحلو الضار (كالسكريات الزائدة).
🍽️ آداب الطعام والشراب في الإسلام
جعل الإسلام من تناول الطعام عبادة، ومن استخدام حاسة الذوق فرصة للشكر والذكر.
قبل الأكل: التسمية والنية
"يا غلامُ، سَمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ ممَّا يَليكَ"
💡 الحكمة من التسمية
التسمية قبل الأكل تُذكّر المسلم بأن هذا الطعام نعمة من الله، وأن عليه أن يأكله بشكر لا بطر. كما أن التسمية تطرد الشيطان الذي يشارك من لم يسمِّ الله في طعامه.
أثناء الأكل: الأدب والاعتدال
"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"
هذه الآية الجامعة تضع قاعدة ذهبية للتعامل مع الطعام: الاعتدال. لا إفراط ولا تفريط. كُل ما تحتاج، لا ما تشتهي فقط. واشرب ما يكفيك، لا ما يملأ بطنك.
"ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطنٍ، بحَسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإن كان لا محالةَ، فثُلُثٌ لطعامِهِ، وثُلُثٌ لشرابِهِ، وثُلُثٌ لنَفَسِهِ"
آداب الأكل والشرب
- الأكل باليمين: واليسرى للأمور الدنيئة
- الأكل مما يليك: وليس من وسط الصحن أو من أمام الآخرين
- تصغير اللقمة: ومضغها جيداً
- عدم العيب في الطعام: إن اشتهيته أكلته وإلا تركته
- الشرب على ثلاث دفعات: والتنفس خارج الإناء
- عدم النف