البصر والعقل: نافذة القلب ومصادر القيم بين الرسل والفلاسفة

البصر والعقل: نافذة القلب ومصادر القيم بين الرسل والفلاسفة

البصر نافذة القلب

البصر هو نافذة القلب إلى المحسوسات، وهذه المحسوسات هي أحد أركان المعرفة. فحاسة البصر تطلع الإنسان على عجائب الخلق ومنافع الأشياء، فيعلم منها النافع والضار. وللبصر فائدة أخرى غير نقله للمعرفة المباشرة، وهي أنه يتيح للإنسان مشاهدة المحسوسات التي تصلح للقياس، واكتساب معارف جديدة لم يطلع عليها من قبل.

استخراج الأفكار

حينما تستقر في العقل مشاهد الكون وصنوف المخلوقات عن طريق البصر، يستطيع العقل أن يستخرج منها نتائج ومعارف لا تُحصى. وقد عرّف العلماء الفكر بأنه حركة العقل من المحسوسات إلى المعقولات.

ومن ثم يفيض على الإنسان من خلال ذلك ما ينعم به من العلوم والمعارف التي أصلحت حياته وأكسبته المزيد من الرخاء والتنعم. لكن هذه الفائدة الجليلة ليست هي وظيفة العقل الكبرى، بل هناك فائدة أعظم وأجل، وهي الاستدلال بهذه المشاهد على المعارف الدينية، ومعرفة صدقها أو فسادها.

المعاني لا تُدرك بالبصر

ليس كل معلوم يُدرك بالبصر؛ فالمعاني والقيم لا تُدرك إلا بالعقل. لكن للبصر وظيفة أخرى فيما يتعلق بالقيم، وهي أنه يساعد على التمييز بحسب مصدرها؛ فيرى من ظواهر حامل القيمة ما يدل على صدقه وجودة القيم التي يحملها، ثم يتأمل في مصير أصحاب هذه القيم وثمرة ما تخلقوا به في حياتهم. وبعد ذلك ينقل هذه النتائج إلى العقل، الذي يقوم بدوره في النقد والتقييم.

أنواع القيم ومصادرها

القيم السماوية

القيم السامية لا تصل إلى البشر إلا بطريقين؛ الأول عن طريق الرسل، وهم أصحاب القيم الصالحة، الذين لهم على صدق ما جاؤوا به دلائل وبراهين. وتستمد هذه القيم قوتها من كونها صادرة عن الله خالق البشر، فهي معصومة من الخطأ وآمنة من الوهم والهوى، ولهذا سُميت قيمًا سماوية.

القيم الأرضية

أما الصنف الثاني فهم الفلاسفة، أصحاب القيم الأرضية، إذ يزعمون أن مصدر المعرفة هو العقل وحده، دون أن ينسبوها إلى عصمة أو قوة خارجة عن نطاق المحسوسات. إذن فمصادر معارف الإنسان هما: الرسل والفلاسفة؛ الرسل يأتون بالقيم السماوية، والفلاسفة يأتون بالقيم العقلية المجردة.

أصحاب الخلط

قد يحاول بعض الناس الجمع بين الطريقتين، ظنًا منهم أنهم بذلك ينالون خير الفريقين، لكن النتيجة أنهم لا يرضون أيًا منهما. وفي الحقيقة فإن هذا الصنف أقرب إلى القسم الثاني (الفلاسفة)، لأنه اختار سبيله بمحض العقل، وإن كان اعتماده على الانتقاء لا على الإنشاء.

عمل البصر

الفلاسفة لا يدّعون العصمة ولا التلقي من مصدر معصوم، ولهذا لا يحتاجون إلى إثبات صدق ما جاؤوا به. بل إن فكرة العصمة والثقة المطلقة من المبادئ المرفوضة عندهم، فالشك عندهم هو القيمة العليا التي يسعى إليها الفيلسوف. أما الرسل فيدّعون الصدق والعصمة، ويقيمون الأدلة والبراهين على ذلك.

وهنا يأتي دور البصر: إذ ينظر في أدلة الرسل وما جاءوا به من الآيات، وينقل هذه المشاهدات إلى العقل، ليعمل عمله في التفكير، ويصل في النهاية إلى النتيجة الحاسمة: صدق الرسول.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال