رسل المعرفة
بسم الله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
المعرفة هي الغاية المنشودة والدرة المفقودة، وهي التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وإن كان لبعضهم حظ منها كالجن، إلا أن الإنسان له منها الكمال والمنزلة الكبيرة. وقد فضل الله عز وجل آدم على الملائكة بتعليمه الأسماء، فكانت تلك المعرفة دليلاً دامغاً على فضل آدم واستحقاقه للخلافة.
أدوات المعرفة
أدوات المعرفة ثلاث: السمع، والبصر، والقلب. فأما السمع والبصر فيحملان المدركات إلى القلب، وهما لا يعلمان شيئاً عن المحمول، فقد يكون صدقاً وقد يكون كذباً، لكن لا شأن للسمع والبصر بذلك، فهما رسولا صدق فيما حملاه. والعقل هو الناقد البصير الذي ينظر في المسموع والمشاهد فيخرج منها الدر والياقوت أو الزيف والبهرج حال غياب السمع والبصر.
يولد الإنسان وهو كالصفحة البيضاء لا شيء فيها، بل يكون هذا العقل فارغاً تماماً ينظر ما يُمليه عليه السمع والبصر. قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ (النحل: 78).
يقول الشيخ السعدي: "خص هذه الأعضاء الثلاثة لشرفها وفضلها ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصول للعبد إلى علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة."
مراتب إدراك المسموع
السمع هو الشاهد الأول على صدق الرسل. وقد خلق الله الإنسان لا يعلم شيئاً لأنه كلفه بالبحث والتفتيش عن الحق. أول مراتب الشكر على نعمة السمع هو البحث عن واهب السمع الذي أسبغ على العبد هذه النعمة.
وأشرف ما يسمعه الإنسان هو الرسالة التي حملتها الرسل من ربهم إلى الخلق، فيستمع الإنسان ثم يفهم ثم يفكر ثم يفقه. فهذه مراتب أربعة للسمع. وليس السمع أن يدخل الصوت من الأذان دون تمييز، فهذا لا فضل فيه، ويستوي فيه الإنسان والحيوان.
قال تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ (البقرة: 171). فأثبت لهم سماع الصوت ووصفهم بالصمم لفقدهم مراتب السمع.
الاستماع
أول مراتب الانتفاع بنعمة السمع هو السماع المجرد، وهذا يحصل بلا كلفة أو بذل جهد. قال تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق: 37).
يقول الرازي: "لم يقل (أو استمع) لأن الاستماع ينبئ عن طلب زائد، أما السمع فمعناه أن الذكرى حاصلة لمن لا يمسك سمعه بل يرسله إرسالاً وإن لم يقصد الاستماع."
فإن أعرض الإنسان عن السمع، كان ذلك من أقبح صور الظلم للنفس؛ سواء بسد الأذن كما فعل قوم نوح، أو بالإعراض عن الرسل حتى لا يصل كلامهم، أو بالتشويش واللغو كما فعلت قريش. وهذه الصور كلها تغلق باب وصول الحق إلى القلب وتكسر جسر الإقناع والتواصل بين الخالق والمخلوق، فيخسر أصحابها أعظم الخسارة.
الفهم
فإذا نفذت كلمات الحق إلى آذان الذين عزموا على رفضه لم يلقوا له بالاً ولم يحاولوا فهم ما تضمنه الخطاب. قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ (الأنفال: 21).
قال الراغب: "يجوز أن يكون معناه فهمنا وهم لا يفهمون."
التفكر
فإن فهمت المعاني الظاهرة من الألفاظ والجمل، احتاج العقل أن يجعل لهذه الأفكار مكاناً ما، فيربط بينها ليجعل لها صورة واضحة مجردة من الحكم عليها. فكأن العقل يحول المعاني إلى شخوص، وهذه هي اللغة التي يفهمها العقل.
قال الراغب: "الفكرة قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكير يحولات تلك القوة بحسب نظر العقل. وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب."
الفقه
الاستنتاج هو فقه الكلام ومعرفة مراد المتكلم، وهو المطلوب من إلقاء الخطاب. فإذا تمت هذه المراتب للعبد اكتملت للعقل صورة واضحة ينظر فيها فيحكم.
قال تعالى: ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول﴾. ويقول القرطبي: "أي ما نفهم، لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله. وقيل: قالوا ذلك احتقاراً لكلامه وإعراضاً عن سماعه. يقال فقه يفقه إذا فهم."
