البصر ودلائل الإيمان: من المعجزات إلى آيات النفس

البصر ودلائل الإيمان: من المعجزات إلى آيات النفس

البصر نعمة جليلة وهبة إلهية عظيمة، به يدرك الإنسان مظاهر الكون من حوله، ويشاهد عجائب الخلق، ويعظ بما مضى من الأمم، ويتأمل في نفسه وما أودع الله فيها من أسرار. وليس البصر مجرد وسيلة للرؤية الحسية، بل هو باب من أبواب المعرفة والإيمان، يقود القلب والعقل معًا إلى إدراك عظمة الخالق ووحدانيته. ومن خلال النظر المتأمل تنكشف للإنسان دلائل الإيمان في كل مشهد يمر به في حياته.

فإن البصر هو دليل العقل إلى المشاهدات الحسية التي يستخرج منها العقل أحكامه بالصدق والكذب على الأفكار المعنوية، ودلائل صدق الرسل، والإيمان بوجود الله وتفرده. وهذه الدلائل تنقسم إلى أربعة أنحاء:

المنحى الأول: النظر في معجزات الرسل

أول ما يُستدل به على صدق الرسل هو ما جاءوا به من المعجزات. والمعجزات هي أمور خارجة عن طاقة البشر، لا يمكنهم فعلها إلا بتأييد من الله تعالى. وقد أعطي كل رسول من المعجزات ما يناسب زمانه وما يفتخر به قومه حتى يعجزوا أمامها.

ومن أمثلة هذه المعجزات:

  • إخراج ناقة من بين الصخور وإدرار اللبن منها بما يكفي أمة بأكملها.
  • انقلاب العصا ثعبانًا يلقف كل ما صنعه السحرة.
  • إبراء الأكمه والأبرص والأعمى دون وسائل أو دواء.
  • انشقاق القمر.
  • انبجاس الماء من بين أصابع النبي ﷺ.

فكل هذه الأمور تبقى إلى قيام الساعة خارجة عن نطاق البشر. أما السحر وخوارقه فداخل نطاق القدرة البشرية، لذلك كل من تعلمه قدر على فعله. ولما رأى السحرة معجزة موسى عليه السلام علموا أنها فوق طاقتهم فآمنوا.

{وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ. فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ}
[طه: 69-70]

ومن سمات هذه الأدلة أنها واضحة لا تحتمل التأويل أو الشك، يفهمها العالم والجاهل على حد سواء.

وهناك نوع آخر من الأدلة المشاهدة بالبصر لكنه خاص بأصحاب الفطنة والذكاء، وهو ما يظهر في خلق النبي ﷺ وأخلاقه؛ إذ الأنبياء عليهم السلام لهم من مكارم الأخلاق وأشرف الطباع ما يميزهم، كما أن لهم من الصفات الخَلقية وسمات الصدق ما يدركه أولو الألباب.

{وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ}
[الأعراف: 198]

قال السعدي: الضمير يعود إلى المشركين المكذبين لرسول الله ﷺ، فتحسبهم ينظرون إليك نظر اعتبار، ولكنهم لا يبصرون حقيقتك وما يتوسمه المتوسمون فيك من الجمال والكمال والصدق.

المنحى الثاني: النظر في الكون وآياته

المنحى الثاني من مناحي النظر هو التأمل في الكون وما فيه من دلائل الخلق والإبداع.

{إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍۭ لِّأُو۟لِى ٱلۡأَلۡبَـٰبِ}
[آل عمران: 190]

فالكون كتاب مفتوح يقرأه العالم والجاهل، وهو مليء بدلائل الإتقان والقدرة الإلهية. وقد وجه الله الإنسان إلى التأمل المباشر:

{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ. وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ. وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ. وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ}
[الغاشية: 17-20]

كما يضرب الله الأمثال بأصغر المخلوقات كالـبعوضة ليدرك الناس بصرهم وحواسهم تلك الدلائل.

{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡىِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوۡقَهَا}
[البقرة: 26]

المنحى الثالث: النظر في مصارع الأمم السابقة

المشاهدة التاريخية من أعظم دلائل صدق الرسل، فقد أهلك الله أقوامًا كذبوا الرسل من قبل: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط.

{وَيَـٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَـٰلِحٍۢۖ وَمَا قَوۡمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ}
[هود: 89]

وكذلك نصر الله رسله على أعدائهم، كما في قصة أصحاب الفيل الذين أهلكهم الله، ثم نصر نبيه ﷺ حين دخل البيت الحرام مؤيدًا من ربه.

المنحى الرابع: النظر في النفس وآياتها

آخر المناحي هو التأمل في النفس الإنسانية، بما أودع الله فيها من عجائب الخلق وإتقان الصنعة.

{وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجًۭا لِّتَسۡكُنُوٓا۟ إِلَيۡهَا}
[الروم: 21]
{وَفِىٓ أَنفُسِكُمۡ ۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ}
[الذاريات: 21]

فالنظر في النفس وما فيها من أعضاء ووظائف وحياة متكاملة كافٍ لإدراك وجود خالق عظيم قدير.

خاتمة

يتبين لنا أن البصر هو أداة عظيمة لدلالة العقل على الإيمان بالله وصدق رسله، وذلك من خلال أربعة مسالك واضحة:

  • النظر في معجزات الرسل.
  • النظر في الكون وآياته.
  • النظر في مصارع الأمم السابقة.
  • النظر في النفس وما فيها من دلائل القدرة.

فمن استعمل بصره وبصيرته في هذه المناحي اهتدى إلى الحق، ومن أعرض كان من الغافلين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال