أغرب ما جاء في كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي | أسرار الفكر والعقل والإيمان

أغرب ما جاء في كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي

أغرب ما جاء في كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي

يُعدّ كتاب تهافت الفلاسفة واحدًا من أهم وأغرب ما كُتب في تاريخ الفكر الإسلامي، كتبه الإمام أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، ليردّ فيه على كبار الفلاسفة المسلمين مثل ابن سينا والفارابي. لكن ما يجعل الكتاب مميزًا ليس فقط محتواه، بل أيضًا الغرابة الفكرية التي يحملها، إذ جمع الغزالي بين عمق الفلسفة وحرارة الإيمان، فكان يهاجم الفلاسفة بأسلحتهم نفسها.

في هذا المقال نستعرض أبرز وأغرب ما ورد في تهافت الفلاسفة، مع لمحات من عبقرية الغزالي ومنطقه الحاد.

🧠 أولًا: الغزالي كفّر الفلاسفة في ثلاث مسائل فقط

ناقش الغزالي الفلاسفة في عشرين مسألة فلسفية، لكنه لم يُكفّرهم إلا في ثلاث منها، وهي:

  • قولهم بقدم العالم: أي أن الكون أزلي لم يُخلق من عدم.
  • قولهم إن الله لا يعلم الجزئيات: بل يعلم الكليات فقط.
  • قولهم إن البعث روحاني فقط: ولا وجود لبعث جسدي يوم القيامة.

ورغم شدّة نقده، إلا أنه لم يوسّع دائرة التكفير، بل قال عن باقي المسائل إنها “بدع وضلالات”، مما يعكس إنصافًا نادرًا في زمن كان الخلاف فيه حادًا بين الفقهاء والفلاسفة.

⚡ ثانيًا: استخدم المنطق الفلسفي لمحاربة الفلسفة!

من أغرب المفارقات في الكتاب أن الغزالي استعمل المنهج العقلي والمنطقي للفلاسفة أنفسهم في نقض آرائهم. فقد استخدم القياس، والبرهان، والعلّة، والمعلول، تمامًا كما يفعلون، لكنه وصل بها إلى نتائج مختلفة.

"لم يُسقط الفلسفة... بل جعلها تسقط بسلاحها."

🔥 ثالثًا: رأيه الغريب في السببية (العلّة والمعلول)

رفض الغزالي القول بوجود علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة. فمثلاً: النار لا تُحرق القطن بذاتها، بل لأن الله يخلق الاحتراق عند ملامسة النار له. أي أن الفعل لا يحدث بسبب طبيعي، بل بإرادة الله في كل لحظة.

هذه الفكرة كانت ثورة فكرية في زمنه، لأنها تناقض الفهم العقلي السائد، وتؤكد قدرة الله المطلقة. والعجيب أن الفيلسوف الغربي ديفيد هيوم بعد قرون تبنّى فكرة مشابهة جدًا دون أن يعرف الغزالي!

🌀 رابعًا: تفنيده لفكرة “العقول العشرة”

من نظريات الفلاسفة القدماء أن العالم وُجد عبر سلسلة من العقول المفارقة (عشرة عقول)، وآخرها هو “العقل الفعّال” الذي يدبّر العالم المادي. الغزالي ردّ عليهم ساخرًا، واعتبرها أوهامًا هندسية لا تستند إلى برهان عقلي أو نصّ شرعي، قائلاً إنهم خلطوا بين الخيال والمجردات الغيبية.

😵 خامسًا: لهجة هجومية غير معتادة

في بعض المواضع خرج الغزالي عن أسلوبه الهادئ وقال بعبارات قوية مثل:

“وهذا كلام لا يصدر إلا عن مجنون يظن أنه إله صغير.”

تدل هذه العبارات على حدة الصراع الفكري بين العلماء والفلاسفة في ذلك العصر، حيث لم يكن النقاش مجرد جدل علمي، بل معركة فكرية حول معنى الحقيقة والإيمان.

🌍 أثر الكتاب في الفكر الإسلامي والغربي

ترك تهافت الفلاسفة أثرًا ضخمًا في العالمين الإسلامي والغربي على حدّ سواء. فقد أدى إلى تراجع الفلسفة المشائية في العالم الإسلامي، وفتح الباب أمام المنهج الصوفي والعقلي المتوازن. وفي المقابل، ألهم الغزالي بعض فلاسفة أوروبا في العصور الوسطى، مثل توما الأكويني وهيوم، في مناقشة العلاقة بين السبب والإرادة الإلهية.

كما كان الكتاب شرارةً جعلت الفيلسوف ابن رشد يرد عليه بكتابه الشهير تهافت التهافت، لتبدأ مرحلة جديدة من الحوار بين العقل والإيمان، استمر صداه حتى عصرنا الحديث.

📚 الخلاصة

جمع الغزالي في تهافت الفلاسفة بين قوة المنطق الفلسفي وحرارة الإيمان الديني، فكان كتابه جسرًا بين الفلسفة والعقيدة. ولذلك ظلّ أثره ممتدًا لقرون، وظلّ السؤال الذي طرحه حاضرًا:

هل يمكن للعقل أن يصل إلى الحقيقة وحده، أم لا بد له من هداية الوحي؟

1 تعليقات

أحدث أقدم

نموذج الاتصال